لم يكن مستغرباً أن تطفو على السطح الحساسيات الهوياتية في سورية ما بعد الأسد. فقد عاشت البلاد لعقود في ظلّ نظام شمولي يمارس سياسة “استثمار الاختلافات” العرقية والمذهبية، ويخفيها في الوقت نفسه تحت ستار خطاب وحدوي زائف. وحين انكشف الغطاء، وانحسر خطاب الوحدة القسرية، ظهرت حقيقة المجتمع السوري بتوتراته وانقساماته، وبرزت إلى العلن أنماط من التمييز ظلّت مستترة طويلاً وراء واجهات زائفة من “وحدة الشعب السوري”.
ما نلاحظه اليوم في دمشق، من توجّس أبنائها من “الدخلاء” و”الأغراب” الآتين من محافظات أخرى، ليس حدثاً عرضياً أو ظاهرة مستجدّة، هو تجلٍّ حقيقي لبنية اجتماعية قديمة قوامها ما يمكن تسميته بـ”العنصرية المدينية”، أي استعلاء سكان المدن الكبرى على أبناء الأرياف والمناطق النائية، واعتبار أنفسهم أصحاب امتياز ثقافي وحضاري وأخلاقي، يخوّلهم احتقار “القادمين الجدد” والنظر إليهم كدخلاء أو متطفّلين على عالمهم المديني “النظيف” و”المتحضّر”.
تنبني العنصرية المدينية، وخصوصاً في العاصمة دمشق، على وهم التفوّق المزدوج: تفوّق ثقافي وحضاري مفترض، وتفوّق اقتصادي وطبقي فعلي. فالعاصمة السورية كانت على الدوام مركز الثقل الاقتصادي للبلاد، إذ تركّزت فيها الوظائف الحكومية العليا، والاستثمارات الكبرى، والبنية التحتية الأفضل، مقارنة بباقي المناطق التي ظلّت مهملة تنموياً. وقد أدى هذا التفاوت التنموي إلى نشوء حالة من الاستقطاب بين “المركز” المترف المتمتع بمزايا التحضّر ومنافعه، و”الهوامش” المحرومة التي تصارع من أجل المستلزمات الأساسية للحياة الكريمة.
وهنا تتجلى المفارقة المرّة: المدينة التي تُشكّل موارد المناطق النائية (نفط الحسكة، قمح الرقة، قطن دير الزور، زيتون إدلب، خضار الغوطة) شريان حياتها الاقتصادي، تنظر إلى أبناء تلك المناطق باعتبارهم غرباء متطفّلين، “منبوذين” ليس مرغوباً بوجودهم بين ظهرانيها. تستنزف المدينةُ المركز موارد المناطق النائية منذ عقود، وتنهب خيراتها، وتسرق مستقبل أبنائها، ثم تتباكى على “نقائها” المدينيّ المهدَّد بوصولهم إليها هرباً من البؤس والتهميش الذي فرضته عليهم.
إن الفتاة الدمشقية التي تشكو “الأغراب” وروائحهم “المنبعثة” تعبر عن بنية ثقافية راسخة،هذه البنية تتغذّى من مخزون هائل من الصور النمطية والأحكام المسبقة عن “الفلاحين” و”البدو” و”أهل الجزيرة”، تلك الصور التي صيغت وترسّخت عبر عقود من التمييز المنهجي. لقد أصبح الاستعلاء المديني جزءاً من الثقافة اليومية في دمشق، حتى صار من الطبيعي وصف أبناء المناطق الأخرى بأنهم “أقل تحضّراً” و”أقل نظافة” و”أقل ثقافة”. وهذه النظرة الدونية لا تعتبر مجرّد انطباعات فردية، هي ترجمة مباشرة لسياسات التمييز والتهميش التي مارستها الدولة المركزية على مدى عقود.
العنصرية المدينية لم تكن وليدة الصدفة، كانت ثمرة سياسات متعمَّدة اتّبعتها الدولة السورية منذ الاستقلال، وتعمّقت في العقود الأخيرة. فقد تبنّت الدولة نموذجاً تنمويّاً مركزيّاً، تحتكر فيه العاصمة والمدن الكبرى معظم المشاريع التنموية والخدمية، فيما تظلّ المناطق النائية في حالة إهمال متعمّد، يدفع أبناءها للهجرة نحو المركز بحثاً عن فرص عمل ودخل أفضل. وهذا النموذج كان يصاحبه خطاب ثقافي يكرّس صورة العاصمة على أنها “منارة الحضارة” و”مهد الثقافة”، بينما تُصوَّر المناطق النائية على أنها “متخلّفة” و”بدائية”.
لقد مارس النظام البعثي السابق، وخصوصاً في سنوات حكم آل الأسد، استراتيجية “فرّق تسد” بامتياز، مغذّياً الانقسامات الكامنة، ومكرّساً التناقضات بين مكوّنات المجتمع. وكان من صور ذلك تعميق الفجوة بين “أهل المدن” و”أهل الأرياف”، عبر تكريس صورة نمطية لكل منهما: المديني المتحضّر المتعلّم الأنيق، مقابل الريفي المتخلف الأميّ الخشن. وقد أدّى هذا التمييز الثقافي والرمزي إلى عزلة متبادلة: عزلة أهل الأرياف والمناطق النائية الناتجة عن تهميشهم اقتصاديّاً وثقافيّاً، وعزلة أهل المدن الناتجة عن استعلائهم الوهمي وانغلاقهم على ذواتهم.
ويصل المنطق الاستعلائي ذروته حين يصبح النفور من “الآخر الداخلي” أشدّ من النفور من الأجنبي. إذ نرى أن كثيراً من أبناء المدن، وخصوصاً دمشق، يتقبّلون بسهولة السائح الأجنبي أو المستثمر الخليجي، ويتعاملون معه باحترام وترحاب، بينما ينظرون بدونية واستعلاء إلى ابن الرقة أو الحسكة أو إدلب. وهذا يعكس عمق الأزمة الهوياتية التي تعاني منها المدينة، إذ تتخيّل لنفسها تفوّقاً وهميّاً خارج سياق هويتها الوطنية الجامعة.
تقوم الهوية المدينية الدمشقية، كما تصوّرها النخب المحلية المستفيدة من الواقع القائم، على أسطورة “مدينة قديمة” ذات نسيج اجتماعي متجانس، لها “أصالتها” و”عراقتها” و”طابعها الخاص”. لكن هذه الصورة المتخيَّلة تتجاهل حقيقة تاريخية وجغرافية بسيطة: دمشق، شأنها شأن كل المدن العظيمة، تشكّلت تاريخيّاً عبر موجات متتالية من الهجرات والتلاقح الثقافي. والمفارقة أن ما يُسمّى اليوم بالنسيج “الشامي الأصيل” هو نتاج قرون من الهجرات المتتالية من مختلف المناطق السورية والعربية، بل والعالمية.
ثم إن الصورة الأسطورية لـ”دمشق النقية المتجانسة” تتعارض مع الواقع التاريخي لمدينة احتضنت على مرّ التاريخ مزيجاً من الأقوام والثقافات والأديان، وكانت مركزاً لإمبراطوريات متعاقبة، كلّ منها ترك بصمته فيها. فدمشق التي كانت تفتخر ذات يوم بكونها “مدينة الجوامع الألف”، إشارة إلى انفتاحها وتسامحها وتعدّديتها، تتخيّلها اليوم بعض فئاتها كمدينة “نقية” يجب حمايتها من “تلوّث الأغراب”.
إن هذا التناقض يكشف زيف “هوية” مدينية متخيَّلة، لا علاقة لها بواقع المدينة التاريخية والمعاصرة. فدمشق، بحكم موقعها وأهميتها التاريخية والسياسية، كانت على الدوام مدينة مفتوحة تستقبل الوافدين من كلّ حدب وصوب. ومَن يتبنّى اليوم خطاب “نقاء المدينة” و”حمايتها من الدخلاء” إنما يتبنّى خطاباً عنصريّاً معادياً لطبيعة المدينة ذاتها.
لا ينفصل الخطاب المديني الاستعلائي عن السياق الاقتصادي والسياسي العام. فنحن نرى كيف تمثّل “الهوية المدينية المتخيَّلة” نوعاً من الرأسمال الرمزي، يحاول أصحابه استثماره للحفاظ على امتيازاتهم الطبقية والثقافية. إذ تتحوّل “الهوية الشامية” (نسبة إلى الشوام، أهل دمشق) من مجرّد انتماء جغرافي إلى علامة تمايز ثقافي واجتماعي، تخوّل حاملها شعوراً بالتفوّق على “الآخرين”، وتبرّر له الاستئثار بامتيازات اقتصادية واجتماعية وسياسية.
وقد تفاقمت هذه الظاهرة في سنوات الحرب السورية، حين تدفّقت موجات من النازحين من مناطق الصراع إلى العاصمة، فارّين من القصف والدمار. ورغم مأساوية أوضاعهم، واجه هؤلاء النازحون موجات من التمييز والاستعلاء والرفض، تحت ذرائع “اختلاف العادات” و”تهديد النسيج الاجتماعي” وغيرها من الحجج النمطية للخطاب العنصري في كلّ زمان ومكان.
واليوم، بعد سقوط نظام الأسد، تظهر المشكلة نفسها بأشكال جديدة. فالسوريون الذين يأتون من إدلب أو الجزيرة إلى دمشق ليبدأوا حياة جديدة، أو ليعودوا إلى وطنهم بعد سنوات من التهجير القسري، يواجهون خطاباً عنصريّاً مبطناً (وأحياناً صريحاً)، يصفهم بأنهم “أقل شأناً”، ويشكك في قدرتهم على “الانسجام” مع ثقافة المدينة، ويرفض وجودهم بحجة “الاختلاف الثقافي” أو “التباين الاجتماعي”.
يطرح الواقع الجديد في سورية ما بعد الأسد تحديّاً كبيراً أمام المجتمع السوري: كيف يمكن تجاوز إرث العنصرية المدينية، وبناء هوية وطنية جامعة، تحترم التنوّع الثقافي والاجتماعي، وتضمن للجميع، أيّاً كان أصلهم الجغرافي أو انتماؤهم المناطقي، حقّ المواطنة الكاملة؟
لعلّ الخطوة الأولى في هذا الطريق الطويل هي الاعتراف بوجود المشكلة، ونقد الخطاب الاستعلائي المديني نقداً جذريّاً. فالعنصرية المدينية، مثلها مثل كلّ أشكال العنصرية، تتغذّى من صمت ضحاياها وتواطؤ النخب الثقافية معها. ويتعيّن فضح هذا الخطاب على حقيقته: خطاب تمييزي يتعارض مع أبسط مبادئ المواطنة والديمقراطية والمساواة.
ثم إنّ تجاوز العنصرية المدينية يتطلب سياسات تنموية جديدة، تكسر احتكار المركز للموارد والخدمات والفرص، وتعيد الاعتبار للمناطق النائية كشريك كامل في المشروع الوطني. ولعلّ من المفارقات أيضاً أن “ابن الجزيرة” الذي تستنكف منه “الفتاة الدمشقية” اليوم، ينتمي إلى منطقة تمتلك ثروات هائلة (نفط، غاز، قمح) كانت، ولا تزال، تغذّي اقتصاد البلاد بأكمله. فإذا كان النفط السوري يأتي من الجزيرة، ويستهلكه بترف أبناء العاصمة، فأيّ منطق عنصري يبرّر احتقار أبناء تلك المنطقة واعتبارهم “دخلاء” على مدينة يشكّلون شريان حياتها الاقتصادي؟
على المستوى التربوي والثقافي، يتعيّن مراجعة نقدية للصور النمطية المتداولة عن أبناء المناطق المختلفة، وتفكيك الخطاب الاستعلائي الذي يصوّر المدينة (وخصوصاً العاصمة) على أنها “مركز الحضارة”، مقابل الأطراف “المتخلّفة”. وقد يتطلب ذلك نشر ثقافة الاعتراف بالتنوّع والاختلاف، وإبراز الخصوصيات الثقافية المحلية كمصدر ثراء للثقافة الوطنية الجامعة، لا كعلامة “تخلّف” أو “بدائية”.
وفي البعد السياسي، يطرح مبدأ اللامركزية الإدارية كمدخل أساسي لمعالجة إرث التهميش المزمن، ومنح المناطق المختلفة حقّاً متساوياً في إدارة مواردها وشؤونها المحلية، بعيداً عن نموذج “المركز المتسلّط على الأطراف” الذي كرّس على مدى عقود التفاوت الهائل بين العاصمة والمناطق النائية.
إن دمشق التي تصوّرها الفتاة في مقطع الفيديو كـ”مدينة منغلقة على شاميتها” لا وجود لها إلا في المخيال العنصري. دمشق الحقيقية، مثلها مثل سورية الحقيقية، هي مدينة التنوّع والتعدّدية، مدينة استوعبت على مرّ التاريخ مجموعات بشرية هائلة، وصهرتها في هويتها المتجدّدة باستمرار. ولعلّ في عودة الأشياء إلى طبيعتها ما يمنح السوريين فرصة نادرة لتجاوز إرث الاستبداد بكلّ تجلّياته، بما فيها الاستعلاء المديني والتمييز المناطقي، نحو بناء وطن يتّسع للجميع، ويحترم تنوّعهم، ويصون كرامتهم، ويضمن مساواتهم في الحقوق والواجبات.
حين يرى الدمشقي في القادم من الرقة أو إدلب “غريباً”، فإنه يكشف عن جروح هويته الخاصة، ويرسم حدوداً نفسية وهمية تحميه من ألم فقدان صورته المثالية المُتخيّلة عن ذاته ومدينته. هذا الفصل بين “نحن” و”هم” ما هو إلا وهم يعمّق جراحنا المشتركة، فإنكار إنسانية الآخر هو إنكار لجزء أصيل من إنسانيتنا. التحدي الحقيقي أمام سوريا الجديدة يتجاوز القوانين والدساتير إلى استعادة قدرتنا على الإحساس ببعضنا، وإدراك أن هويتنا لا تكتمل إلا بالآخر، وأن الوطن الحقيقي يبدأ حين تتسع قلوبنا – قبل أرضنا – لتحتضن كل أطياف الانتماء، متجاوزين طبقات الخوف والاستعلاء لنكتشف أننا، في جوهرنا، لسنا سوى مرايا لبعضنا في شوقنا للكرامة والانتماء.